Monday, February 2, 2009

مقدمة الشاعر الكبير بهاء جاهين لديوان شعرى بنت الخير

الهاوى الحريف

احمد عاطف .. نعرفه سينمائيا لامعا ، حصد فى حداثة سنه وبداية عهده بالاخراج السينمائى جوائز عالمية . وكنت اعلم ــ كما أسر لى هو ــ انه يكتب الشعر ايضا . بل انه ساعدنى مرة فى العثور على قافية "كنت مزنوق فيها" وافكر فيها عاصرا مخى لساعات ، فوجدها هو فى دقائق !

ولكن حين اعطانى مخطوط هذا الديوان ليعرف رأيى فيه ، اعتقدت مسبقا ان هذا لن يزيد عن كونه نشاطا جانبيا لفنان مجاله الصورة السينمائية : مجرد هواية يمارسها كنوع من الاسترخاء ، كما يمارس البعض هواية الطبخ او المشى لنفس الغرض . هذا ما ظننته ، فخيب ظنى ما قرأت .

فمنذ السطور الاولى لأول قصيدة ، وجدت امامى شاعرا على شىء كثير من النضج ، وطالعت شعرا فيه جرأة على اللغة ، وضيق صدر بكل ما هو تقليدى ومألوف ومتوقع .

أنظر اليه فى قصيدة (ياسمين) كيف يعلن حبه :

انا بحبك زى توأم ملتصق

انا بحبك زى عشق للأفق

انا بحبك زى ريقى

********

انا بحبك بأكتمال

انا بحبك بأقتتال

******

انا كنت بور

وفرع أجرد صبور

قاعد ألف وأدور

فى دنيا فاضية من الحنان

انا كنت مرسى للمراكب والطيور

انا كنت .. حفار للقبور

وبقيت رزين

لما عشقت الياسمين

هذه قصيدة حب . الموضوع مألوف ، كما كل الحالات الانسانية المتكررة ، والمتعددة بتعدد البشر ، وبتعدد الشعراء، لكن غالبا ما يكون هذا التعدد متشابها كحبات الفول ، ونادرا ماتجد بين حبات الفول المتشابهة لألىء تماثلها فى الحجم وتخالفها فى الجوهر .والجوهر له معنيان : الباطن والبريق . وهنا شعر له بريق ، بريق ينم عن جوهر ثمين .

وهذا الشاعر لا يكتفى بالأدهاش الناجم عن أصالة وجدة فى التعبير ، بل يغوص الى أصالة تراكمية جمعية هى التراث الشعبى . فبين هذه الصور الجديدة المتلاصقة ، التى تلحقها جدتها بقافلة الحداثة ، تجد مقطعا يفوح منه عطر التراث : له إيقاع الموال وبعض لغته ، مثل "عرف الطريق الزين":

الدنيا لما ابتدت

طرحت شجر ياسمين

والصبح لما اتولد

مالقاش دموع فى العين

والقلب لما حيى

عرف الطريق الزين

ثم يعود الشاعر الى لغته الخاصة مستخدما مفردات غير معتادة ، ليس فى ذاتها ، انما فى تضفيرها مع باقى مفردات الجملة :

الكون دا مليان كائنات

و الكل يحلم بالمئات

الكل صاحى لكن ممات

جواه خرابة بألف فار

فيها ألف جنة وألف نار

فيها بيت جحا والمقرفات

نموذج اخر للجرأة على اللغة : استخدم "ممات" كنعت ، وبالعكس : تحويل النعت "مقرف" الى جمع مؤنث سالم (مقرفات) ، ثم الصورة العجيبة : "خرابة بألف فار" فيها جنات وجهنمات بالالاف ، وفوق ذلك " بيت جحا والمقرفات " !

وفى قصيدة بختك يابوبخيت ، القريبة الى حد كبير ــمن الزجل الفكاهى ، لا يخلو الامر مع ذلك من صناعة الدهشة :

كان نفسى أهلفط اى كلام

انا اصلى بكون وح اكون وانا "كان"

وفى " انا الحبيب" يقول ذلك العاشق :

انا بأشتاق للامل

كأنه سر حربى

كأنه حل مسألة الحساب

والامثلة كثيرة . وكلها تدل على قدرة شعرية عالية : قدرة على اعادة صياغة المألوف اللغوى بحيث يستولده الشاعر عن طريق الانشطار والاندماج ، طاقة انفجار يصحبها إشعاع الجدة ، والاصالة بمعنى التفرد ، مستخدما فى ذلك ، الى جانب لغته هو كفرد مبدع ينتمى لعصرنا ، لغة الموروث الشعبى . وهو لا يصل الى هذا التميز بنفس القدر فى كل القصائد ، واحيانا من مقطع الى اخر فى القصيدة الواحدة ، ولكنه بلاشك ينبىء عن وعود شعرية خلابة . وان غدا لناظره قريب .

بهاء جاهين