الهاوى الحريف
احمد عاطف .. نعرفه سينمائيا لامعا ، حصد فى حداثة سنه وبداية عهده بالاخراج السينمائى جوائز عالمية . وكنت اعلم ــ كما أسر لى هو ــ انه يكتب الشعر ايضا . بل انه ساعدنى مرة فى العثور على قافية "كنت مزنوق فيها" وافكر فيها عاصرا مخى لساعات ، فوجدها هو فى دقائق !
ولكن حين اعطانى مخطوط هذا الديوان ليعرف رأيى فيه ، اعتقدت مسبقا ان هذا لن يزيد عن كونه نشاطا جانبيا لفنان مجاله الصورة السينمائية : مجرد هواية يمارسها كنوع من الاسترخاء ، كما يمارس البعض هواية الطبخ او المشى لنفس الغرض . هذا ما ظننته ، فخيب ظنى ما قرأت .
فمنذ السطور الاولى لأول قصيدة ، وجدت امامى شاعرا على شىء كثير من النضج ، وطالعت شعرا فيه جرأة على اللغة ، وضيق صدر بكل ما هو تقليدى ومألوف ومتوقع .
أنظر اليه فى قصيدة (ياسمين) كيف يعلن حبه :
انا بحبك زى توأم ملتصق
انا بحبك زى عشق للأفق
انا بحبك زى ريقى
********
انا بحبك بأكتمال
انا بحبك بأقتتال
******
انا كنت بور
وفرع أجرد صبور
قاعد ألف وأدور
فى دنيا فاضية من الحنان
انا كنت مرسى للمراكب والطيور
انا كنت .. حفار للقبور
وبقيت رزين
لما عشقت الياسمين
هذه قصيدة حب . الموضوع مألوف ، كما كل الحالات الانسانية المتكررة ، والمتعددة بتعدد البشر ، وبتعدد الشعراء، لكن غالبا ما يكون هذا التعدد متشابها كحبات الفول ، ونادرا ماتجد بين حبات الفول المتشابهة لألىء تماثلها فى الحجم وتخالفها فى الجوهر .والجوهر له معنيان : الباطن والبريق . وهنا شعر له بريق ، بريق ينم عن جوهر ثمين .
وهذا الشاعر لا يكتفى بالأدهاش الناجم عن أصالة وجدة فى التعبير ، بل يغوص الى أصالة تراكمية جمعية هى التراث الشعبى . فبين هذه الصور الجديدة المتلاصقة ، التى تلحقها جدتها بقافلة الحداثة ، تجد مقطعا يفوح منه عطر التراث : له إيقاع الموال وبعض لغته ، مثل "عرف الطريق الزين":
الدنيا لما ابتدت
طرحت شجر ياسمين
والصبح لما اتولد
مالقاش دموع فى العين
والقلب لما حيى
عرف الطريق الزين
ثم يعود الشاعر الى لغته الخاصة مستخدما مفردات غير معتادة ، ليس فى ذاتها ، انما فى تضفيرها مع باقى مفردات الجملة :
الكون دا مليان كائنات
و الكل يحلم بالمئات
الكل صاحى لكن ممات
جواه خرابة بألف فار
فيها ألف جنة وألف نار
فيها بيت جحا والمقرفات
نموذج اخر للجرأة على اللغة : استخدم "ممات" كنعت ، وبالعكس : تحويل النعت "مقرف" الى جمع مؤنث سالم (مقرفات) ، ثم الصورة العجيبة : "خرابة بألف فار" فيها جنات وجهنمات بالالاف ، وفوق ذلك " بيت جحا والمقرفات " !
وفى قصيدة بختك يابوبخيت ، القريبة الى حد كبير ــمن الزجل الفكاهى ، لا يخلو الامر مع ذلك من صناعة الدهشة :
كان نفسى أهلفط اى كلام
انا اصلى بكون وح اكون وانا "كان"
وفى " انا الحبيب" يقول ذلك العاشق :
انا بأشتاق للامل
كأنه سر حربى
كأنه حل مسألة الحساب
والامثلة كثيرة . وكلها تدل على قدرة شعرية عالية : قدرة على اعادة صياغة المألوف اللغوى بحيث يستولده الشاعر عن طريق الانشطار والاندماج ، طاقة انفجار يصحبها إشعاع الجدة ، والاصالة بمعنى التفرد ، مستخدما فى ذلك ، الى جانب لغته هو كفرد مبدع ينتمى لعصرنا ، لغة الموروث الشعبى . وهو لا يصل الى هذا التميز بنفس القدر فى كل القصائد ، واحيانا من مقطع الى اخر فى القصيدة الواحدة ، ولكنه بلاشك ينبىء عن وعود شعرية خلابة . وان غدا لناظره قريب .
بهاء جاهين
2 comments:
With such words, Bahaa Gaheen added a lot to "Bent el kher". And if it means anything it means that the spontaneous and cultured words that both appeared in this diwan ALMOST reached everybody.
و الله و الله انا كان نفسي زمان بهاء جاهين يتطلع انا على بعض كتاباتي
لكن ببعض ما قراتك
بجد نفسي انت تقراني
و نفسي اعرف كتبك منشورة فين
انا اصلي مفتربة عن مصر منذ فترة
لاني كنت شخصية انهزامية ما قدرتش اثور منذ عشر سنوات و اضطريت
سميها اشافر سميها اهرب سميها اتنفي
لكن انتا سمتها انهزامية
إنهزامية محبوبتي
تحترف المجون
تعشق في ثورة
تكره في سكون
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. لا تحنث قسم السكينة
تتوارى خلف الظل
شاردة مستكينة
أغاضبها لأعوام
تنطرني باكية حزينة
أهادنها .. في ثوان
تبدي إبتسامة مجهدة أليمة
إنهزامبة ..
إنهزامية محبوبتي .. مشكلة عضال
أخدعها ، أظلمها، أهزمها
تمجد فن الإنكسار
أهجرها.. أزجرها .. أعصرها
أهدد بالإنفصال
تتوسل .. تستجدي.. تستعطف ..
ثم .. تعاود الإتصال!
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. سليلة قيود و سجون
لا تهاجم ، لا تدافع
عشقها .. عزف لا يثير الشجون
لا تشاكس .. لا تجاهر
تفتقر لحلو سكاكر الجنون
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. كطالبة نظامية
ما ضرها لو تعشق بإرتجالية؟
بمكر أنثوي
بمرح شبابي
بعفوية طفولية
لكنها أبداً .. إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. ذات ملامح رمادية
لا شيطانية هي و لا هي ملائكية
تعفو .. و ينقصها العفوية
ترضى .. ليتها ثورية
عابسة .. أتكون يوماً عبثية ؟
حورية هي أم تراها أدمية ؟
لست أدري .. لكنها يقيناً
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. كسيف الهزيمة.. بلا حد
كأميرة عربية
وردية الخد
وثيرة اليد
ممشوقة القد
لكن.. ليت لها في الأخذ و الرد
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. شبه مستحيلة
ثرية أصيلة .. لكن لا سلطان لها و لا حيلة
سكرها زائد .. يفسد طعم النرجيلة
أقصيها أدنيها .. أستخدم كل وسيلة
فتدعوني أتخذها.. سيان حليلة أو خليلة
كونها .. إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. أيلولية الأقدار
أداعبها بالعصا .. أسايسها بالنار
تمطرني بالقبل
تهديني أكاليل الغار
أطؤها بقدمي .. أشد الوثاق
أسيل دماً .. أضيق الخناق
تضعني على عرشها
تمعن في العناق
تبكي .. تصرخ
لا أطيق فراق
إنهزامية.. بلهاء حلوة المذاق
إنهزامية محبوبتي .. سريالية الحضور
شرقية الملامح
غربية العطور
منوعة الهيئة
كخلطة عود
مجهولة الجذور
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. تناصر بن العم و تخاصم الشقيق
لا هي بالليل تنام و لا هي بالصبح تفيق
نهاراً ترتدي ما لا يعيق
و ليلا تضع ما لا يليق
تتشح يوماً بالعباءة
و دهراً تتلون بالمساحيق
تارة تقسم بالتوراة
و أخرى .. بالبيت العتيق
إنهزامية
كجدتي و ابنتي
و خالتي و عمتي
و أسرتي و ضيعتي
و بلدتي و أمتي
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. صالحة لكل العصور
تطير في كل فضاء .. تسبح في شتى البحور
مكبلة أمواجها .. ناعسة لا تثور
كسجينة مسكينة منسية
سفنها تشرع من إيلات لتصب في طبرية
شريعتها تسمح لإنسي أن يتغشى جنية
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. غير سوية
أبية .. و ترضى بالدونية
بطلة.. تلعب أدوار ثانوية
طبيبة.. و تعامل جسدها بعشوائية
حرة.. لكن سيان لديها زواج شرعي
أو بورقة عرفية
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. صامدة، ليتها صدامية
آثامها شارونية
توبتها غامدية
تصافح أبناؤها بمشاعر عدم الإنحياز
و مع الأغيار .. حاتمية هي بإمتياز
إنهزامية
إنهزامية محبوبتي .. مزاجية هي أم مستنيرة؟
تارة تدعو عربي لطاولة مستديرة
و تارة تراقص يهودي في حانة فقيرة
و تارات.. لا تدعى للوليمة الكبيرة
و تظل إنهزامية
و تظل محبوبتي
حتى تتوافاني المنية
Post a Comment